عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

170

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

أطيق أن أحمل ثديي من اللبن فتعجبت النساء مني ، ثم خرجنا يوما نطلب النبات فسمعنا قائلا يقول : ألا إن اللّه قد أخرج مولودا بمكة طوبى لمن أرضعه فلما سمعت النساء ذلك رجعن وأخبرن أزواجهن فخرجن إلى مكة وكن عشرة فخرجت معهم على أتان ضعيفة فبينما أنا في بعض الطريق إذ خرج رجل من شجرة ومعه حربة فوكز الأتان وهي الأنثى من الحمير وقال أسرعي بمرضعة النبي صلى اللّه عليه وسلم سيد المرسلين فسبقنا القوم ودخلنا مكة ثم سبقني النساء إلى كل رضيع ، قال في كتاب العقائق لأن لبنهن كان كثيرا ثم رآني عبد المطلب فسألته عن رضيع فقال عندي غلام يتيم لم تبق امرأة إلا وقد عرض عليها لكن لعدم سعدها تأباه إذا قيل لها توفى اللّه أباه فقالت رضيت بجماله وليس لي رغبة في غير وصاله فقال ما اسمك ؟ قالت حليمة السعدية فقال حلم وسعد فيهما عز الأبد فأدخلني إلى منزل آمنة فرأيته نائما فوضعت يدي على صدره ففتح عينيه فخرج منهما نور لحق بعنان السماء بفتح العين وهو السحاب فناولته ثديي الأيمن فشرب حتى روي ثم ناولته الأيسر فامتنع وذلك من عدله وإنصافه لأنه علم أن له في اللبن شريكا فلما أخذته من أمه قالت : أعيذه باللّه من ذي الجلال * من شر ما مر على الجبال حتى أراه كامل الخلال * ويفعل الخير مع الموالي وغيرهم من حسوة الرجال والحسوة بكسر الحاء المهملة هم أسافل الناس قالت حليمة : فخرجت أمه تودعه ولسان حالها ينشد : كيف السبيل وقد شطت بنا الدار * أم كيف أصبر والأحباب قد ساروا ومنزل الأنس أضحى بعد ساكنه * مستوحشا حين غابت عنه أقمار ما كان أحسننا والدار تجمعنا * والعيش متصل والوصل مدرار يا ساكنين بقلبي أينما رحلوا * وراحلين بقلبي أينما ساروا غبتم فأظلمت الدنيا لغيبتكم * وضاق من بعدكم رحب وأقطار ليت الغراب الذي نادى بفرقتكم * عار من الريش لا تحويه أوكار بعد النعيم بعدنا عن منازلنا * وبعد أحبابنا شطت بنا الدار قالت حليمة : فلما وضعته بين يدي على الأتان استقبلت بوجهها الكعبة وسجدت ثلاث مرات ثم سارت أتاني كالجواد فقالت النساء يا حليمة أليست هذه أتانك إن لك شأنا عجيبا فقالت الأتان : أنتن في غفلة عني على ظهري راكب البراق قالت حليمة فبينما أنا في أثناء الطريق وإذا أنا بأربعين نصرانيا يتذاكرون محمدا ومعهم سيوف مسمومة فلما نظر إليه كبيرهم قال ويحكم دونكم هذا الغلام فاقتلوه فهو المطلوب فقلت وا محمداه ففتح عينيه ورمق السماء بطرفه وإذا بنار نزلت من السماء فأحرقتهم عن آخرهم فقال زوجي : إن لهذا المولود شأنا وسوف يعلو أمره فلما دخلنا حينا أخصب الوادي على كل حاضر وبادي وأدر اللّه لنا الضرع